اسماعيل بن محمد القونوي

204

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( أي فمن تبع ما آتاه مراعيا فيه ما يشهد به العقل فلا خوف عليهم فضلا عن أن يحل بهم مكروه ولا هم ممن يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه ) ولقد أضل كثير ممن تبع ما آتاه غير مراع فيه ما يشهد به العقل كالمجسمة والمشبهة لذهولهم عن مثل هذا التنبيه النبيه والعجب ممن غفل عن مراد المصنف وتوهم أن هذا مبني على مذهب المعتزلة وكم من عائب قولا صحيحا مع أنه واجب البيان بيانا باهرا ولو قيل المراد بالهدى الأول عام لما أتى به الرسل واقتضاه العقل فإنه أيضا مما آتاه من اللّه تعالى وكرر ذلك للاهتمام وللتلذذ بذكره لم يبعد فَلا خَوْفٌ [ البقرة : 38 ] جملة محلها مجزوم لأنه جواب الشرط أو خبر من إذا قيل بأنها موصولة فيكون مرفوع المحل ورجح عدم كون لا عاملة في خوف فإن عملها عمل ليس قليل وأيضا لفظة لا في وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ غير عاملة لأنها لا تعمل في المعارف فجعلها غير عاملة هنا أولى للموافقة فيكون خوف مبتدأ وعليهم خبره وقرىء بالرفع وترك التنوين إما لنية الإضافة تقديرا أي خوف شيء أو على نية الألف واللام أو روما للتخفيف وقرىء بالفتح على أن لا لنفي الجنس وهو أبلغ في النفي لكن قراءة الرفع أرجح . قوله : ( والخوف على المتوقع ) أي الخوف لا يكون إلا في المستقبل ( والحزن على الواقع ) أي على الماضي والحزن ضد السرور وهو مأخوذ من الحزن وهو ما غلظ من الأرض فكأنه ما غلظ من الهم فهو أخص من الهم وقيل كلاهما في المستقبل لكن الخوف استشعار لفقد مطلوب والحزن استشعار غم لفوت محبوب والصواب ما ذكره المصنف ثم الخوف المنفي خوف الآخرة لا خوف الدنيا وكذا المراد حزن الآخرة كما أشار إليه المصنف بقوله ( نفى عنهم العقاب وأثبت لهم الثواب ) مع التنبيه على أن المراد بنفي الخوف نفي العقاب ونفي الحزن إثبات الثواب بطريق الكناية ومن هذا قال ( على آكد وجه وأبلغه ) عطف العلة على المعلول أو العكس إذ الكناية لما كانت أبلغ من التصريح كانت أكد لكونه إثبات الشيء ببينة قوله فضلا من أن يحل بهم الخ إشارة إلى أنهم لا يلحقهم خوف في القبر ولا عند البعث ولا عند الموقف ولا عند تطاير الكتب ولا عند الميزان ولا الصراط والمراد خوف العقاب كما عرفت وأما خوف الإجلال فلا يعمه النفي فثبوته لهم كما ورد في الخبر لا يضر المقصود . قوله : ( وقرىء هدى على لغة هذيل ) بإبدال الألف ياء وإدغامها وهي لغة هذيل في قوله : وأثبت لهم الثواب على آكد وجه وأبلغه وذلك بسلوك طريق الكناية حيث أثبت الثواب لهم بنفي ما يلزم زواله وهو الخوف والحزن وفيه ايهام جعل الشيء طريقا لحصول منافيه حيث توسل بالنفي إلى الاثبات كما في قوله عز وجل : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] فإن القصاص قتل وتفويت وقد جعل طريقا يتوصل به إلى الحياة وهو من محسنات الكلام . قوله : وقرىء هدى على لغة هذيل قال ابن جني هي قراءة أبي الطفيل وعيسى بن عمر الثقفي وهي لغة فاشية في هذيل وغيرهم يقلبون الألف من آخر المقصور ياء إذا أضيف إلى ياء المتكلم وقال أبو علي إن وقوع ياء المتكلم بعد الألف موضع ينكسر فيه الصحيح نحو هو ذا غلامي ولما لم يتمكنوا كسر الألف للجر قلبوها ياء .